رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
428
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
المبدأ الأوّل جلّ شأنه ، وتناهي العلل إلى علّة فاعليّة لا علّة لها أنّه مبدأ المبادئ وعلّة العلل . فنقول : الابتداء هو إيجاد الشيء الذي له أثر في الوجود بوجه من الوجوه ، وأنّ المبدأ الأوّل هو الذات ابتدأت منه الموجودات ، وانتهت إليه سلسلة المبتدءات ، وذلك من عِلْمٍ منه بها ، وإرادةٍ دعت إليها ، وحينئذٍ لا يمكن أن يكون شيء من الموجودات سبباً لابتداء غيره ؛ إذ كلّ ما فرض أنّه ابتدأ من ذلك المبتدئ فله صورة في علم الإله تعالى ، لا أنّ العلم بمعنى حصول الصورة ؛ إذ ما عند اللَّه هو الحقائق المتأصّلة الباقية ، وكلّ ما في الكون فهي أشباح وأمثلة لتلك الصور العالية : « ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ » « 1 » ، فإذا كان كذلك ، فما فرض أنّه مبتدأ من ذلك المبتدأ فليس بمبتدأ ، ولا ريب أنّ الموجودات لها ابتداء ، فكلّها ابتدأت من الباري تعالى . نعم ، إنّما المبادئ العالية والعلل المتوسّطة شأنها الإبداء والإظهار ، وأين الإبداء من الابتداء ؟ مع أنّ الإبداء أيضاً منه سبحانه على الحقيقة ؛ إذ الكلّ هالك دون وجهه الكريم ، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً ، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً ، فكيف لغيرهم وهو المُبدئ والمُعيد ؟ ومن ذلك ظهر تحقيق المقام الثالث . « 2 » وقوله : « بفاقة المادين » لم يتعرّض صاحب البحار لتصحيح لفظ « المادين » هل هو اسم مفعول أو اسم فاعل . اعلم أنّه قد وقع في صورة خطّه تصحيف ، والصواب « مؤدين » على أنّه جمع المذكّر السالم في حالة الجرّ . في الصحاح : الأداة : الآلة ، والجمع : الأدوات . وآداه على كذا ، يؤديه إيداءً : إذا قوّاه عليه وأعانه . وآدى الرجل أيضاً ، أي قوي ؛ من الأداة ، فهو مؤدٍ بالهمز ، أي شاكٍ في السلاح ، وأمّا مُودٍ بلا همز ، فهو من أودى ، أي هلك . « 3 »
--> ( 1 ) . النحل ( 16 ) : 96 . ( 2 ) . شرح توحيد الصدوق لقاضي سعيد القمّي ، ج 1 ، ص 132 - 133 . ( 3 ) . الصحاح ، ج 6 ، ص 2265 ( أدا ) .